سيناريو الصعود الكبير: الذهب على طريق الـ8000 دولار
بنوك واستطلاعات رأي تراهن على ارتفاع المعدن الأصفر بعد نهاية الحرب... ومحللون: تراجع الأسعار 13% فرصة للشراء
تشير غالبية معتبرة من بنوك الاستثمار العالمية إلى توقف موقت في صعود أسعار الذهب بفعل ارتفاع أسعار الطاقة والشحن وما يترتب عليهما من تضخم قد يجبر البنوك المركزية على التريث حيال المضي في خطط التيسير النقدي.
ترجح بنوك "يو بي أس" و"أتش أس بي سي" و"دويتشه" و"ساكسو" بجانب استطلاعات آراء اقتصاديين ارتفاع أسعار الذهب بمجرد انفراجة الأزمة في مضيق هرمز والتوصل إلى اتفاق أميركي – إيراني، معتبرين أن تراجع الأسعار منذ بداية الحرب 13 في المئة تمثل فرصة مناسبة للشراء.
وتكشف بيانات مجلس الذهب العالمي، أن إجمالي الطلب على المعدن في الربع الأول من عام 2026، بما في ذلك الطلب خارج البورصة بلغ 1231 طناً، بزيادة قدرها 2 في المئة على أساس سنوي.
الارتفاع الاستثنائي في سعر الذهب
وأدى هذا النمو الطفيف في الأحجام، إضافة إلى الارتفاع الاستثنائي في سعر الذهب، إلى قفزة بنسبة 74 في المئة في قيمة الطلب الفصلي لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 193 مليار دولار.
بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، بلغ الطلب على سبائك وعملات المعدن 474 طناً (بزيادة 42 في المئة)، مسجلاً ثاني أعلى مستوى ربع سنوي على الإطلاق، إذ قاد المستثمرون الآسيويون هذا الارتفاع، مع إقبالهم بكثافة على الاستثمار في الذهب.
واشترت البنوك المركزية 244 طناً، بزيادة ثلاثة في المئة على أساس سنوي من الذهب على أساس صافٍ في الربع الأول، على رغم الارتفاع الملحوظ في نشاط البيع خلال الربع.
في البداية، يشير تحليل لـ"دويتشه بنك"، أنه مع استمرار البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم في زيادة حصة الذهب في أصولها الاحتياطية، لا يزال أمام المعدن الثمين مجال لمزيد من الصعود.
أدوات للتحوط من الاضطرابات
في مذكرة للبنك، تقول محللة المعادن الثمينة ماليكا ساشديفا، إن سعي صانعي السياسات النقدية إلى إيجاد أدوات للتحوط من الاضطرابات الجيوسياسية، دفع حصة الذهب في احتياطيات البنوك المركزية العالمية إلى الارتفاع من 10 في المئة في التسعينيات إلى 30 في المئة في الوقت الراهن، فيما انخفضت حصة الدولار الأميركي في احتياطات البنوك المركزية من أكثر من 60 إلى نحو 40 في المئة.
رأت ساشديفا، أن الفجوة بين الدولار وحصة الذهب في الاحتياطات لا تتجاوز الآن 10 نقاط مئوية، وهو أمر جدير بالملاحظة للغاية.
وتعزو ساشديفا ارتفاع أسعار الذهب إلى مشتريات البنوك المركزية، لذلك هي ترى أن ثمة علاقة داخلية بين المشتريات والأسعار، وأسهم هذان العاملان معاً في زيادة حصة المعدن.
لطالما اعتبر المستثمرون الذهب ملاذاً آمناً خلال أوقات الصراعات العالمية، ومنذ عام 2022، دفعت هذه السمة المستثمرين باستمرار نحو الذهب، أولاً بسبب الصراع الروسي - الأوكراني، ثم بسبب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران.
حجم احتياطات الذهب والدولار
وترى المتحدثة، أن تحركات أسعار الذهب المقبلة ستعتمد جزئياً على حجم احتياطات الذهب والدولار التي لدى البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة.
ويظهر تحليل "دويتشه بنك" لبيانات صندوق النقد الدولي، أن جميع مشتريات الذهب من البنوك المركزية منذ الأزمة المالية العالمية جاءت من بنوك مركزية في الأسواق الناشئة.
وتختم ساشديفا "حتى لو انخفض إجمالي احتياطات النقد الأجنبي في الأسواق الناشئة إلى 5 تريليونات دولار، فما دامت حددت هذه الأسواق نسبة 40 في المئة من احتياطاتها للذهب، فإن أسعار الذهب قد تصل إلى 8000 دولار للأونصة خلال الأعوام الخمس المقبلة".
ما هي توقعات "يو بي أس" للمعدن؟
من المرجح أن تكون المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران المحرك الأهم لأسواق السلع الأساسية على المدى القريب، لكن على المدى المتوسط، يُعتقد أن السلع الأساسية ستظل أداة فعّالة لتنويع المحافظ الاستثمارية.
يرى محللو "يو بي أس" أن تخصيص جزء من المحفظة للسلع الأساسية، مع التركيز على الإدارة النشطة، يمكن أن يساعد المستثمرين على التحوط ضد التضخم وصدمات إمدادات الطاقة، ويعتقدون أن أسعار الذهب الأقل حالياً بنحو 13 في المئة من أعلى مستوى إغلاق لها على الإطلاق في يناير (كانون الثاني) الماضي، ربما تكون فرصة للشراء.
وتضيف مذكرة البنك "بالنسبة للمستثمرين الذين لديهم ميل للذهب، نعتقد أن تخصيصاً متواضعاً يمكن أن يعزز التنويع ويحمي من الأخطار النظامية، وبالنسبة للمستثمرين الذين لديهم مخصصات كبيرة وأرباح غير محققة كبيرة في الذهب، فإن توسيع نطاق التعرض للسلع ليشمل النحاس والألومنيوم والأصول الزراعية يمكن أن يساعد في تنويع مصادر العائد المستقبلي، من وجهة نظرنا".
على المدى المتوسط، يتوقع بنك "يو بي أس" أن يرتفع سعر الذهب بشكل كبير إذا استمر عدم اليقين الجيوسياسي مرتفعاً بينما تنخفض توقعات أسعار الفائدة.
ماذا عن "أتش أس بي سي"؟
وجهة نظر "يو بي أس" يؤيدها على نحو كبير بنك "أتش أس بي سي" الذي يضيف أسباباً أخرى تعزز من صعود المعدن الأصفر من بينها الأخطار المالية ومخاوف الركود التضخمي.
وعلى رغم أن الصراعات الأخيرة في الشرق الأوسط تسببت في تقلبات قصيرة الأجل في أسعار الذهب، إلا أن التوقعات على المدى المتوسط والطويل لا تزال إيجابية، بحسب البنك، إذ ستستمر الأخطار الجيوسياسية المرتفعة، وتزايد العجز المالي، واستمرار عمليات الشراء من قبل البنوك المركزية في دعم سعر المعدن الثمين.
ووفقاً للخبير الاستراتيجي في البنك، رودولف بون، فقد شهد الذهب بداية متقلبة لعام 2026، وانخفضت الأسعار من 5415 دولاراً للأونصة في نهاية يناير الماضي إلى 4400 دولار في 26 مارس (آذار) الماضي مع تصاعد الصراع مع إيران.
ويشير "أتش أس بي سي" إلى أن الطلب على العملات الذهبية لا يزال ضعيفاً، بينما يبقى الطلب على سبائك الذهب الكبيرة من المؤسسات مستقراً، مدعوماً بالتغييرات التنظيمية في أسواق مثل الهند والصين، أما على صعيد العرض، فمن المتوقع أن يرتفع إنتاج المناجم ارتفاعاً طفيفاً في الفترة 2026-2027، وأن يزداد نشاط إعادة التدوير مع ارتفاع الأسعار الذي يدفع المزيد من المعدن المُدار إلى السوق.
رهان "ساكسو بنك" على الصعود
يتنبأ "ساكسو بنك" هو الآخر بصعود قريب في أسعار الذهب، إذ يشير رئيس قسم استراتيجية السلع لديه، أولي هانسن، إلى ما شهدته سوق المعادن النفيسة خلال الأشهر القليلة الماضية من تقلبات حادة، إذ أسهمت عوامل ارتفاع أسعار الطاقة، وقوة الدولار، وتوقعات التضخم المتزايدة، والنظرة المتجددة نحو استمرار ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية، في خلق بيئةٍ أكثر صعوبةً على المدى القصير للأصول غير المدرة للدخل.
ويقول هانسن في مذكرة على موقع البنك، "بمجرد أن تهدأ تداعيات الحرب وتبدأ سلاسل إمداد الطاقة بالاستقرار، من المتوقع أن يجد الذهب دعماً جديداً من الطلب النقدي، وتنويع الاحتياطات، والمخاوف المالية، واستمرار حال عدم اليقين الجيوسياسي، فهو أقل عرضة لتراجع الطلب الدوري وأقل تأثراً بالتقلبات الحادة في معنويات المستثمرين".
في وقت سابق هذا الأسبوع، أظهر استطلاع أجرته "رويترز" أن المحللين رفعوا توقعاتهم السنوية لأسعار الذهب، إذ من المتوقع أن يعوض الطلب القوي من البنوك المركزية وعدم اليقين الاقتصادي الأخطار الناجمة عن التضخم المتزايد والرهانات السياسية المتشددة بسبب الصراع في الشرق الأوسط.
ويوضح الاستطلاع الذي شمل 31 محللاً ومتداولاً على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية أن الارتفاع العام في أسعار الذهب من المتوقع أن يُستَأنف بمجرد انحسار التوترات، مرجحين متوسط سعر الأونصة عند 4916 دولاراً في عام 2026، وهو أعلى توقع سنوي في استطلاعات "رويترز" منذ عام 2012، ويقارن هذا التوقع الأخير بتوقعات سابقة قبل ثلاثة أشهر بلغت 4746.50 دولار.
اندبندنت عربية
تعليقات