د. وهيبة فارع.. صوت العلم في معركة بناء الإنسان

تبرز شخصية الدكتورة وهيبة فارع غالب الفقيه (1956–2025) بوصفها حالة فكرية وإدارية استثنائية، لم تكتفِ بصناعة مسار أكاديمي متقدم، بل أعادت تعريف مفهوم الجامعة بوصفها مشروعاً تنموياً وثقافياً متكاملاً، لا مجرد مؤسسة تعليمية تقليدية.
وُلدت الدكتورة وهيبة في مدينة التربة بمحافظة تعز، وتدرجت في مسيرتها العلمية عبر محطات أكاديمية رفيعة، بدأت من جامعة صنعاء، مروراً بجامعة عين شمس في القاهرة، حيث حصلت على أعلى الدرجات في التربية والتخطيط التربوي، وصولاً إلى الدكتوراه التي شكّلت نقطة تحول في رؤيتها لمستقبل التعليم في اليمن. كما شغلت لاحقاً مناصب أكاديمية بارزة، قبل أن تصبح أول وزيرة دولة لحقوق الإنسان في تاريخ البلاد عام 2001، في محطة مفصلية عكست مكانتها العلمية والفكرية.
لكن التحول الحقيقي في مسيرتها لم يكن في المناصب، بل في الفكرة التي حملتها أبعد من الإطار الوظيفي.
في تسعينيات القرن الماضي، وفي مرحلة كانت فيها البلاد تعيد تشكيل بنيتها التعليمية، بدأت الدكتورة وهيبة بلورة رؤية مختلفة: تعليم عالٍ حديث، مستقل، ومتصل بالهوية التاريخية اليمنية. ومن هنا وُلدت فكرة إنشاء جامعة تحمل بعداً رمزياً وتاريخياً، مستلهمة شخصية «الملكة أروى بنت أحمد الصليحي»، بوصفها نموذجاً للقيادة والعلم والحكمة.
لم تكن الفكرة سهلة التنفيذ. ففي عام 1995، وعند إطلاق جامعة الملكة أروى، واجه المشروع بيئة تعليمية تقليدية، وهيمنة واضحة للجامعات الحكومية، إلى جانب تحديات مجتمعية تتعلق بقبول التعليم الخاص. إلا أن الدكتورة وهيبة اختارت أن تراهن على الجودة لا الانتشار، وعلى الرؤية لا التقليد، لتبدأ رحلة تأسيس واحدة من أوائل الجامعات الخاصة في اليمن.
ما ميّز هذا المشروع أنه لم يُبنَ كمؤسسة أكاديمية فقط، بل كفلسفة تعليمية متكاملة. فقد ركزت على إعادة صياغة العلاقة بين الطالب والجامعة، وعلى تحويل التعليم من تلقين إلى بناء مهارة، ومن شهادة إلى كفاءة. كما أولت اهتماماً خاصاً بتمكين المرأة، وفتح المجال أمامها للوصول إلى التعليم الجامعي في بيئة داعمة ومحفزة.
ومع تطور الجامعة، أصبحت تجربة تعليمية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: تطوير المناهج بما يواكب المعايير العالمية، ربط التعليم بالمسؤولية المجتمعية من خلال المؤتمرات والأنشطة البحثية، وتعزيز بيئة أكاديمية تُشجع التفكير النقدي والاستقلال العلمي.
ومع مرور الوقت، تحولت جامعة الملكة أروى إلى واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية الخاصة في اليمن، وتخرّج منها آلاف الطلاب في تخصصات متعددة، ليشكلوا امتداداً عملياً لفكرها القائم على أن التعليم ليس وظيفة، بل صناعة مستقبل.
لكن الأثر الأعمق في تجربة الدكتورة وهيبة لم يكن أكاديمياً فقط، بل إنسانياً أيضاً. فقد عُرفت داخل الوسط الجامعي باعتبارها شخصية قريبة من الطلبة، توازن بين صرامة المؤسسة ودفء العلاقة الإنسانية، ما جعل حضورها الإداري مختلفاً عن النمط التقليدي في الإدارة التعليمية.
وفي خلاصة تجربتها، يمكن قراءة فلسفة الدكتورة وهيبة فارع في عبارة تختصر مشروعها كله: «نحن لا نؤسس جامعة… نحن نعيد بناء الإنسان الذي يبني الوطن».
وهكذا، لم تكن مسيرتها مجرد إنجاز فردي، بل مشروعاً ممتداً في الزمن، ترك أثراً يتجاوز الجدران الأكاديمية إلى الوعي العام، مؤكداً أن التعليم حين يُدار برؤية، يتحول من مؤسسة إلى نهضة.

تعليقات

زر الذهاب إلى الأعلى